محمد سعيد رمضان البوطي

356

فقه السيرة ( البوطي )

تظهر دلائل المصانعة من ضجر وتأفف ، أما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقد كانت هذه سجيته وطبيعته ، في كل حال ، فما كان يتميز على أصحابه في مجلس ، وما كان يعلو في معيشته وحياته من مستوى الفقراء والمساكين ، وما أثر أنه صلى اللّه عليه وسلم أكل على خوان قط ، وما رؤي أصحابه صلى اللّه عليه وسلم يكدّون في عمل شاق إلا كان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم منهمكا فيه معهم ، كانت هذه صفته صلى اللّه عليه وسلم حتى فارق الدنيا والتحق بالرفيق الأعلى ، فأي سر يمسكه على هذه الحال مع ما فيه من الخصائل التي لو أحب أن يتعلق بها لرفعته إلى مكانة عالية لا ينتهي إليها أحد غيره غير سرّ النبوة التي أكرمه اللّه بها ؟ ! . ويقول عديّ : فلما دخل بي بيته ، تناول وسادة من أدم محشوة ليفا ، فقذفها إليّ فقال : « اجلس على هذه . . . » فجلست عليها ، وجلس هو على الأرض ! . . فقلت في نفسي : واللّه ما هذا بأمر ملك . ولعل عديا - وهو الذي كان ذا مكانة مرموقة في قومه - كان يحسب أن يجد بيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ينطق بشيء من المعنى الذي كان هو يتمتع به ، ولكنه فوجىء بعكس ذلك ، وفوجىء برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتربع جالسا أمامه على أرض يابسة ! . . ونظر ، فإذا بالدار تنطق بأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليس من تلك المظاهر التي كان يتوقع رؤيتها ، في شيء ! . . أفيكون مع ذلك ينشد من وراء دعوته هذه ملكا ويسعى وراء ثروة أو مجد ؟ ! . . ويصف عدي رضي اللّه عنه بعد ذلك ، حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكيف استشف فيه الغيب المتعلق بمستقبل الإسلام والمسلمين . قال له : « ليوشكن المال أن يفيض في المسلمين حتى لا يوجد من يأخذه » ، وصدق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقد بعث عمر بن عبد العزيز عامله بأموال الزكاة لتوزيعها على المستحقين في جهات من أفريقية ولكنه عاد بها ثانية لأنه لم يجد من يأخذها ، فاشترى بها أرقاء وأعتقهم . وقال له : « ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف » ، وصدق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقد امتد فوق هذه الرقعة أمن الإسلام وسلامه ، فما من عابر سبيل فيها يخاف شيئا غير اللّه عز وجل والذئب على غنمه ، كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر . وقال له : « وأيم اللّه ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت على المسلمين » ، وصدق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقد سمعنا بذلك ورأينا ، والحمد للّه الذي أنجز ما وعد به رسوله عليه الصلاة والسلام .